محمد أبو زهرة
1564
زهرة التفاسير
وبعد ذلك أخذ يبين الله سبحانه وتعالى تكوين الأسرة الإسلامية ، وأساس التكوين هو العلاقة بين الرجل والمرأة ، أو بتعبير القرآن السامي العلاقة بين النفس وزوجها ، فنفى أن تكون العلاقة بينهما كالعلاقة بين أنثى الحيوان والذكر ، بل العلاقة بينهما أسمى وأعلى ، ولذلك أشار إلى عقوبة من ينزل إلى مرتبة الحيوان فقال : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ( 15 ) [ النساء ] . وبين أن باب التوبة مفتوح لمن يقع في هذه الخطيئة الحيوانية ، ثم أخذ يرسم - سبحانه وتعالى - الطريق السليم للعلاقة بين الرجل والمرأة ، وهو الزواج ، وحرم ما كان عليه أهل الجاهلية من وراثة النساء وسمّى ذلك مقتا ، ثم أخذ يبين سبحانه شرائط العقد الصحيح ، والنساء اللائي يحرمن في الزواج ، ثم نفى سبحانه أن يكون اتخاذ الأخدان سبيلا من سبل تكوين الأسرة ومن اتخاذ الأخدان ما يسمى بالمتعة وهو اتخاذ المرأة لأمد محدود في نظير أجر معلوم . وبعد أن بين سبحانه العماد الذي تقوم عليه الأسرة ، وهو الزوجان ، أخذ يبين علاقة الإنسان بغيره من الناحية المالية فقال سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) [ النساء ] . ولقد كانت العلاقة بين الرجل والمرأة موضع نظر الماضين كما هي الآن موضع النظر والقول ، فوضع الله سبحانه وتعالى الحدود التي تبين حقوق كليهما ، فبين الله سبحانه وتعالى أن لكل منهما نصيبه من الكسب ، . . . لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 ) [ النساء ] . وبين مع ذلك أن للرجال فضل الرئاسة والقوامة ، وأن ذلك يظهر فيما للرجل على امرأته من ولاية التأديب ، وقد ذكر سبحانه ضروب التأديب التي يملكها الرجل على زوجه ، وكلها من غير قسوة ولا شذوذ ولا طغيان ، ثم بين سبحانه العلاج إذا أصابت الأسرة آفة الشقاق ، فقال سبحانه